الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
39
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
سوء ما همّوا به ، ولا يجوز أن يكون المراد إخراجه من مكة للهجرة لأنّ ذلك قد حدث قبل انعقاد العهد بينهم وبين المسلمين في الحديبية ، فالوجه عندي : أنّ المعنيّ بالذين همّوا بإخراج الرسول قبائل كانوا معاهدين للمسلمين ، فنكثوا العهد سنة ثمان ، يوم فتح مكة ، وهمّوا بنجدة أهل مكة يوم الفتح ، والغدر بالنّبي - عليه الصلاة والسلام - والمسلمين ، وأن يأتوهم وهم غارون ، فيكونوا هم وقريش ألبا واحدا على المسلمين ، فيخرجون الرسول صلى اللّه عليه وسلم والمسلمين من مكة ، ولكنّ اللّه صرفهم عن ذلك بعد أن همّوا ، وفضح دخيلتهم للنبي صلى اللّه عليه وسلم ، وأمره بقتالهم ونبذ عهدهم في سنة تسع ، ولا ندري أقاتلهم النبي صلى اللّه عليه وسلم بعد نزول هذه الآية أم كان إعلان الأمر بقتالهم ( وهم يعلمون أنهم المراد بهذا الأمر ) سببا في إسلامهم وتوبة اللّه عليهم ، تحقيقا للرجاء الذي في قوله : لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ [ التوبة : 12 ] ولعل بعض هؤلاء كانوا قد أعلنوا الحرب على المسلمين يوم الفتح ناكثين العهد ، وأمدّوا قريشا بالعدد ، فلمّا لم تنشب حرب بين المسلمين والمشركين يومئذ أيسوا من نصرتهم فرجعوا إلى ديارهم ، وأغضى النبي صلى اللّه عليه وسلم عنهم ، فلم يؤاخذهم بغدرهم ، وبقي على مراعاة ذلك العهد ، فاستمرّ إلى وقت نزول هذه الآية ، وذلك قوله : وَهُمْ بَدَؤُكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أي كانوا البادئين بالنكث ، وذلك أنّ قريشا انتصروا لأحلافهم من كنانة ، فقاتلوا خزاعة أحلاف المسلمين . و أَوَّلَ مَرَّةٍ نصب على المصدرية . وإضافة أَوَّلَ إلى مَرَّةٍ من إضافة الصفة إلى الموصوف . والتقدير : مرة أولى والمرّة الوحدة من حدث يحدث ، فمعنى بَدَؤُكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بدءوكم أوّل بدء بالنكث ، أي بدءا أول ؛ فالمرّة اسم مبهم للوحدة من فعل ما ، والأغلب أن يفسر إبهامه بالمقام ، كما هنا ، وقد يفسّره اللفظ . و أَوَّلَ اسم تفضيل جاء بصيغة التذكير ، وإن كان موصوفه مؤنّثا لفظا ، لأن اسم التفضيل إذا أضيف إلى نكرة يلازم الإفراد والتذكير بدلالة المضاف إليه ويقال : ثاني مرة وثالث مرّة . والمقصود من هذا الكلام تهديدهم على النكث الذي أضمروه ، وأنّه لا تسامح فيه . وعلى كلّ فالمقصود من إخراج الرسول عليه الصلاة والسلام : إمّا إخراجه من مكة منهزما بعد أن دخلها ظافرا ، وإمّا إخراجه من المدينة بعد أن رجع إليها عقب الفتح ، بأن يكونوا قد همّوا بغزو المدينة وإخراج الرسول والمسلمين منها وتشتيت جامعة الإسلام . وجملة أَ تَخْشَوْنَهُمْ بدل اشتمال من جملة أَ لا تُقاتِلُونَ فالاستفهام فيها إنكار أو تقرير على سبب التردّد في قتالهم ، فالتقدير : أينتفي قتالكم إيّاهم لخشيكم إياهم ، وهذا